الأحد، 13 ديسمبر 2015

حذف المسند }..
















1] أن يشترك المسند في جملتين , فيحذف من إحداهما بدلالة الآخر عليه .
الشواهـد :
1 : فَمَنْ  يَكُ أمْسَى بِالمَدِينَةِ رَحْلُهُ     فَإنِي وَقَيَّــارٌ بهَــا لَغَرِيبُ
حذف من الثاني بدلالة الأول [ فإني بها لغريب وقيارغريب كذلك ] حذف وقدم .

الشرح :
واضح من هذا النغم الرزين أن الشاعر يسيطر سيطرة مقتدرة على انفعالات جائشة قوية , يمكن أن تسمع ضجتها وراء تلك الرنة الرزينة .
فقال : إني وقيار بها لغريب , فقد أراد أن يصف إحساسه بالغربة والوحشة , فذكر أن هذه الغربة الكئيبة قد أحسها بعِيرَهُ كما أحسها هو .
وأصل الكلام أن يقول : فإني لغريب بها وقيار غريب , ولكنه حذف المسند في الجملة الثانية , لأن ذكره في العبارة بعد دلالة القرينة عليه عبث , ولأن نفسه الضائقة بهذه الغربة تنزع إلى اللمح والإيجاز , وقيار اسم جَمَل الشاعر .
وقدم قيارا على بقية الجملة وأقحمه بين جزئيها لقصد التسوية بينهما في التحسر على الاغتراب .



2 : نَحْنُ بِمَا عِندَنا وأنْتَ بِمَا              عندَكَ رَاضٍ والرَأي مُختَلِف
الحذف من الأول بدلالة الثاني , وأصل الكلام : نحن بما عندنا راضون وأنت بما عندك راض , وليس للحذف هنا فضيلة فوق فضيلة الاختصار .

3 : قال تعالى : (وَاللهُ وَرَسُولُه أَحَقُّ أنْ يُرضُوه)
عطف على لفظ الجلالة , حذف من الثاني بدلالة الأول عليه [حذف المسند وقدم]

الشرح :
الأصل : والله أحق أن يرضوه ورسوله كذلك , فحذف من الثاني لدلالة الأول عليه , وقدم رسوله على المسند المذكور ليفيد أهمية إرضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم خشية أن تنصرف النفوس إلى إرضاء الله وتتوانى في شيء من أمر رسوله صلى الله عليه وسلم , فنبه بهذا التقديم على أهمية إرضاء رسول الله , وأنه من الله بمكان .

2] قد يشعر حذف المسند بإهماله وازدرائه , وأنه غير جدير بالذكر .والضن عليه بأن يذكر بجوار المسند إليه.


الشاهد :
1 : قال تعالى : (أَفَمَنْ هُو قَائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَت)
المحذوف : المعبود بالباطل .
فائدة الحذف : إهمال المحذوف وإزدرائه , وأنه غير جدير بالذكر .

الشرح :
الموصول مبتدأ وخبره محذوف تقديره كمن ليس كذلك , والقائم على كل نفس هو الله سبحانه , أي : متول أمر كل نفس , حافظ شأنها حفظ القائم على الشيء بحرسه وبصونه .

الشواهد :
2: قال تعالى : (أَفَمَنْ شَرَحَ اللهُ صَدْرُهُ للإسْلام فَهُوَ علَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيلٌ للقَاسِيَةِ قُلُوبُهم)
الحذف هنا للإشارة إلى عظمة المذكور ظمة المذكور وازدراء المحذوف ليفيد إهماله , والتقدير : أهذا خير أم من جعل صدره ضيقا حرجا .


الشرح :
أهذا خير أم من جعل صدره ضيقا حرجا , فيحذف الثاني ليفيد الحذف إهماله , وانظر قوله : (فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّه) فإنها كلمة لا تجد لحسنها نهاية , وصاحبها لا يمشي على طريق منير فحسب , وإنما يمشي على نور وهو نور القلب , ويتوهج في الضمير لأنه نور من ربه , ولعل في الحذف هنا سرا آخر هو الرغبة في أن ينصرف الذهن إلى هذه الصورة , ليمتلئ القلب بها ولتبقى وحدها في التعبير لا تنازعها أخرى .

3 : قال تعالى : (أَمَنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَرْجُو رَحمَةَ رَبِّه)
التقدير : كمن ليس كذلك .
فائدة الحذف : إهمال المحذوف وتحقيره .
3/ قد يشعر حذف المسند بتعظيم المحذوف وأنه أكرم من أن يذكر مع المسند إليه المذكور .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الشواهد :

 1: قال تعالى : (أَفَمَنْ يَتَقِي بِوَجهِه سُوءُ العَذَابِ يَومَ القِيَامَة)
التقدير : كمن ينعم في الجنة .
فائدة الحذف : يشعر بتعظيم المحذوف وأنه أكرم على الله من أن يذكر في مقابله هذا الشقى .

شرح الآيتين :
الحذف هنا مشعر بتعظيم المحذوف وأنه أكرم على الله من أن يذكر في مقابله هذا الشقى , وفيه أيضا القصد إلى أن يتجه الهم كله إلى المذكور الذي يتقي بوجهه سوء العذاب ليمتلي القلب بصورته , وهو في النار فزع طائش لا يدري كيف يدرأ العذاب عن نفسه , فهو يتقي بوجهه , والوجه تسوءه النار , والذي فيه نبضه من نفس وعقل يتقي وجهه من النار , ولا يتقي بوجهه النار . ولكن المذكور قد طاشت نفسه وأفرغ لبه من هول ما يرى فهو متخبط واله , ثم إن في ذكر الوجه هنا إشعار بإهانة هذه الوجوه وذهاب أقدارها , فالوجه فيه معنى الشرف والتقدم .

2: قال تعالى : (أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا)
التقدير : كمن ليس كذلك .
فائدة الحذف : يشعر بتعظيم المحذوف .

الشرح :
كمن لم يزن له سوء عمله , فهو تشبيه بما تقدم . قال تعالى (أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ) ولم يقل : أفمن ضل ليضيع جهله وبلادة نفسه , فهو لا يميز بين الأشياء الواضحة تباينها , بل أنه يرى السوء حسنا , فقد فسد طبعه المميز بين الحسن والقبح , فلا عجب إذا استحب العمى على الهدى .
4] من حسن مواقع الحذف ما ترى الجملة بقيت فيه على كلمة واحدة .

الشواهد :
1: قال تعالى : (ءَامَنتُم لَهُ قَبلَ أَنْ آذَنَ لَكُم وإنَّهُ لَكَبِيرُكُم الذي عَلَمَكُم السِّحر فَلَسَوفَ تَعلَمُون لأُقَطِّعَنَّ أَيدِيكُم وَأَرْجُلَكُم مِنْ خِلافٍ وَلأُصَلِبَنَّكُم أَجمَعِين * قَالُوا لا ضَيْر) .
لا ضير : لا ضير علينا في قتلك .
حذف المسند و الاكتفاء بالمسند إليه .

الشرح :
ومن أحسن مواقع الحذف ما ترى الجملة فيه بقيت على كلمة واحدة , وقد يكون ذلك في سياق قوي مجلجل فيزداد حسن هذا الحذف .
فأجابوه بعدما سمعوا قعقعة هذا الوعيد بقولهم : لا ضير – وأرادوا لا ضير علينا في قتلك وحذفوا ليبقى الجواب كلمة واحدة نافذة كالسهم يصمي نفاجه فرعون وحمقه , ويرد عليه إرعاده وإبراقه .

2 : قال تعالى : (وَلَو تَرَى إذْ فُزِعُوا فَلا فَوْت)

حذف المسند و الاكتفاء بالمسند إليه .

الشرح :
أي فلا فوت لهم , أي لا يفتون الله ولا يسبقون يد القدر . فحذف المسند وبقيت كلمة واحدة , وسياق السرعة الفائقة والحركات المتلاحقة جعل حسن الحذف لا يتناهى , وقد بني هذا التعبير على التركيز الشديد , وكأن كل كلمة فيه جمع هائل في هذا الحشد الذي ضم أطراف البشرية كلها من لدن آدم عليه السلام إلى آخر نفس تموت . وحذف الجواب يؤذن بمزيد من صور الهول التي لا تتناهى ولا تنضبط ولا يصفها أبلغ بيان .

5] قد يكون حذف المسند مظهرًا لأناقة العبارة وقوة لمح المتكلم وحسن اقتداره .

الشاهد :

1 : قول النبي صلى الله عليه وسلم للمهاجرين وقد شكروا عنده الأنصار : (أَلَيسَ قَدْ عَرَفتُم أَنَّ ذَلِكَ لَهُم) قالوا : بلى , قال : (فَإنَّ ذَلِك) .

يريد : فإن ذلك مكافأة لهم .
الدلالة : يدل على أناقة العبارة وقوة لمح المتكلم وحسن اقتداره .
ومنه قول عمر بن عبد العزير لرجل من قريش جاء يكلمه في حاجة له فجعل يمت بقرابته , فقال عمر : فإن ذلك . ثم ذكر الرجل حاجته .فقال عمر: لعل ذلك
وقد جرت الأساليب على إسقاط المسند في مواضع ذكرها النحاه , مثل القسم الصريح , وبعد لولا , والحال ممتنع كونها خبر , وبعد واو المصاحبة الصريحة , بعد إذ الفجائية , والحذف في هذه الصور يرجع حسنه إلى امتلاء العبارة وقوة دلالتها .

6] مما نجد الحذف فيه يفيد العبارة قوة ومتلاءا ما ذكره سيبويه في الحروف الخمس التي تعمل فيما بعدها عمل الأفعال ( إن , لكن , كأن , ليت , لعل ) حيث يحسن معها حذف المسند .

نحو قولهم: إن غيرها إبلًا وشاه .
التقدير : إن لنا .
حذف المسند ونصب إبلا وشاء على التمييز .

الشاهد :
1 : إَنَّ مَحَـلًا وَإِنَّ مُرْتَحَـلًا     وَإِنَّ فِي السَّفْرِ مَا مَضَوْا مَهَلًا
المقصد : أنه لم يرجع الذي يسافر أو يموت .
الأصل : إن لنا محلا وإن لنا مرتحلا .
سَفْر : جماعة المسافرين .

الشرح :
الشاهد فيه حذف خبر إن لعلم السامع , والمعنى إن لنا محلا في الدنيا ومرتحلا عنها إلى الآخرة , وأراد بالسفر من رحل  من الدنيا , فيقول في رحيل من رحل ومضى : مهل , أي لا يرجع .فالأعشى هنا يصف السرعة الخاطفة في الحلول والارتحال وكأن هذه السرعة التي يحسها بزوال الدنيا انعكست على عبارته فطوى فيها كثيرا من الكلمات لأن سياق المعنى في البيت طي وإضمار وابتلاع: حلول يخطفه الارتحال، وارتحال دائم إلى بطن الغيب، وسفر لا أوبة لهم.

7] قد يجيء الكلام على الحذف , ثم تراه يحتمل تقدير أن يكون المذكور هو المسند , والمحذوف المسند إليه والعكس .

الشاهد :
1 : قال تعالى : (سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا)
  • يحتمل أن يكون المحذوف هو المسند إليه , والتقدير : هذه سورة أنزلناها
  • ويحتمل أن يكون المحذوف مسندا , والتقدير : فيما أوحينا إليك سورة أنزلناها .
الشرح :
هذا النوع من التراكيب يذكر له البلاغيون فضيلة زائدة على الصور التي يتحد فيها نوع المحذوف , هذه الفضيلة هي تكثير الفائدة لأن الكلام الذي يحتمل وجهين يكون أوفر معنى وأغزر دلالة , ووفرة التأويلات من فضائل الكلام الجيد .

2: قال تعالى : (وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ اِنْتَهُوا خَيرًا لَكُم)
  • يجوز أن يكون المحذوف هو المسند , والتقدير : لنا أو في الوجود آلهة ثلاثة .
  • ويحتمل أن يكون من حذف المسند إليه , والتقدير : ولا تقولوا الله والمسيح وأمه ثلاثة .
الشرح :
يجوز في الآية الكريمة أن يكون المحذوف هو المسند والتقدير لنا أو في الوجود آلهة ثلاثة , وتكون الجملة مكونة من مبتدأ هو آلهة , وصفة هي قوله ثلاثة وخبر مقدم هو لنا أو في الوجود , ثم حذف الخبر , وحذفه مطرد في كل ما معناه التوحيد ، ثم حذف الموصوف وهو آلهة , وحذف الموصوف واقع في كلامهم , فصار ولا تقولوا ثلاثة . ويحتمل أن يكون من حذف المسند إليه والتقدير ولا تقولوا الله والمسيح وأمه ثلاثة , أي لا تعبدوهم كما تعبدون الله ولا تسووا بينهم في الصفة والرتبة .
8] قد يبنى الكلام على حذف المسند إليه والمسند , ويكون التركيب حينئذ أكثر امتلاء وأكثر إصابة .
نحو قولهم : (أَهْلَك وَاللَيْل
التقدير : إلحق أهلك وبادر الليل .

الشواهد :

1 : قال تعالى : (كَذَبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا * إِذِ انبَعَثَ أَشقَاهَا * فَقَالَ لَهُم رَسُولُ اللهِ نَاقَةَ اللهِ وَسُقيَاهَا)
المحذوف : المسند والمسند إليه .
التقدير : احذروا ناقة الله وذروا سقياها (أي عقرها) .
الشرح :
أراد بطغواها بطغيانها ولكنهم يقلبون ألف فعلى واوا للفرق بين الاسم والصفة , وأشقاها هو قدار بن سالف أُحَيمِر ثمود وكان أشأم على قومه من ناقة البسوس وأبشع جناية عليهم من براقش . والمهم هو قوله تعالى (فَقَالَ لَهُم رَسُولُ اللهِ نَاقَةَ اللهِ وَسُقيَاهَا) أراد : ذروا ناقة الله واحذروا عقرها , وحسن الحذف هنا ليس له نهاية .فكان صالح عليه السلام مرجوا فيهم رحيما بهم،فصاح بهم محذرا ملهوفا( ناقة الله وسقياها) ولو قال: ذروا ناقة الله وذكر الفعل والفاعل لذهب بكل ما دل عليه الحذف هنا من لهفة نفسه، وشدة حرصه على نجاة قومه واندفاعه السريع نحو دفع الخطيئة الموبقة لهم. وهذا من جمال الحذف في مقامات التحذير والإغراء

2: قال تعالى : (فَإذَا لَقِيتُمُ الذِينَ كَفَرُوا فَضَربَ الرِّقَاب)
التقدير : فاضربوا الرقاب ضربا .
الشرح :
حذف الفعل وفاعله وأفاد هذا الحذف العبارة قوة ونفاذا , ترى اللفظ فيه قد لاءم سياقه أحسن ملاءمة سرعة ومضاء , فالضرب المأمور به هو الضرب السريع الخاطف فور اللقاء .





-------------------------------------------------------------------------

{ تقديم المسند اليه }










*الشواهد:


1-هم خلطوني بالنفوس وأكرموا الصـ           ـحابة لما حم ماكنت لاقيا
هم يفرشــــــون اللبـــــــد كل طمرة               وأجرد سباح يبذالمغاليــــا




الشرح :


ومعنى اللبد : هي قطعة قماش تفرش تحت سرج الحصان

ومعنى طمرة: أنثى طمر أي الفرس المستفزة للوثب والعدو وقيل طويل القوائم الخفيف

ومعنى أجرد : قصير شعر العرف وهي من علامات الكرم

ومعنى يبذ المغاليا:فهو جمع مغلاة وهي السهم يتخذ للمغالاة والمعنى يسبق السهم في غلوته وسرعته

قال : هم خلطوني بالنفوس أي أنهم أقاموه بينهم وأسقطوا الحشمة : الصحابة المراد بها الصحبة
وقوله هم يفرشون اللبد ،فيه توكيد لمعنى أنهم يفرشون اللبد لأنه مديح ،ومعاني المديح تحتاج إلى تقرير وتقوية، وتقديم المسند إليه هنا الاختصاص أي هم دون غيرهم خلطوه بالنفوس.



وفي البيت الثاني :

يصفهم بأنهم فرسان يمتهدون صهوات الخيل وأنهم يقعدون الجياد منها ، وأن ذلك دأبهم من غير أن يعرض لنفيه عن غيرهم إلا أنه بدأ بذكرهم لينبه السامع لهم ويعلم بديًا قصده إليهم بما في نفسه من الصفة فيمنعه بذلك من الشك ،ومن توهم أن يكون قد وصفهم بصفة ليست هي لهم . ومراد الشاعر أن سعيهم مقصور على تفقد الخيل وخدمتها وافتراش ظهورها.

 
 
 
2-قال الحق: { ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون }


الشرح :

قال: وهم يعلمون ،وصاغ الخبر كما نرى ،لأن الذي يكذب لا يعترف بأنه يكذب فضلاً عن أن يعترف بأنه يعلم أنه كاذب ،وهذا سياق إنكار فاحتاج إلى توكيد 
وهو هنا يفيد : تقوية الحكم ،  وهو : مقام رد الحجة و رد الدعوة

 

3- قال الحق: {والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئا وهم يخلقون }



الشرح :


فإن قوله: (وهم يخلقون) مخالف لمقتضى حال عبادتهم لها لأن المعبود لا يكون مخلوقا فهم ينكرون مخلوقيـتها ، أو الأصل أن ينكروا ذلك فوجب توكيد أنهم يُـخلَقون،وهو هنا يفيد:  تقوية الحكم.

 

4-{وحشر لسليمان جنوده من الجن والإنس والطير فهم يوزعون }



الشرح :

معنى يوزعون أي :  يحبس أولهم على آخرهم بإيقاف أولهم حتى يلحق به آخرهم
وجاء قوله : فهم يوزعون ،بتقديم المسند إليه ليؤكد هذا الخبر الغريب فتأنس به النفوس، لأن حشر الإنس والجن والطير على هذه الهيئة من الإيزاع والتداخل أمر غريب تحتاج النفوس إلى ما يؤنسها به ويقرره عندها وتقديم المسند إليه هنا يفيد : تقوية الحكم .

 
 
5- قال الحق {هو أنشاكم من الأرض } وقوله :{ الله يبسط الرزق لمن يشاء }



الشرح:

أي لم ينشئكم منها إلا هو سبحانه أي أنه لا يختص بالخلق ولا بسط الرزق سوى الله سبحانه،والتقديم  هنا في الآيتين يفيد : الاختصاص

 
 

6-قال الحق :{ ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم }



الشرح :

الشاهد في قوله تعالى {لا تعلمهم نحن نعلمهم} أي لا يعلمهم إلاّ الله، ولا يطلع على سرهم غيره، لأنهم يبطنون الكفر في سويداوات قلوبهم إبطاناً، ويبرزون لك ظاهراً كظاهر المخلصين من المؤمنين، لا تشك معه في إيمانهم، وذلك أنهم مردوا على النفاق وضروا به وقيل : المعنى لا تعلم يا محمد عاقبة أمورهم وإنما نختص نحن بعلمها ; وهذا يمنع أن يحكم على أحد بجنة أو نار. وفي كلا المعنين أفاد التقديم معنى الاختصاص كما ترى.


 
 
7-قال الحق : { الله نزل أحسن الحديث متشابها }



الشرح:

تجد أن التقديم يفيد أنه لم ينزله إلا الله سبحانه وهذا هو معنى الاختصاص وفيه أنه لا محالة أنزله الله .
ثم إن التقديم في هذه الآيه أفاد شيئا آخر وهو تفخيم نزول الكتاب من حيث بدأت الجملة الدالة عليه بذكر لفظ الجلالة فأضفى إليه مزيدا من الجلال والفخامة والتقديم هنا يفيد الاختصاص


 
وقوله : {إنا نحن نزلنا عليك القران تنزيلا }.


الشرح :


موطن الشاهد في قوله (إنا نزلنا) ونحن هنا ضمير فصل، وتكرير الضمير بعد وقوعه اسماً تأكيد على تأكيد لمعنى اختصاص الله بالتنزيل ، .فالتقديم هنا يفيد أيضاً الاختصاص

 و أمثال هذا كثير جداً في القرآن الكريم وكلام الناس ، ثم إن الصور التي تفيد الاختصاص لا تخلو دلالتها من التوكيد والتقرير وإن كانت الدلالة الواضحة هي الاختصاص لأن الحقيقة هي أن الاختصاص متضمن للتوكيد





*إذا تقدم النفي على المسند إليه المتقدم على خبره الفعلي فإن عبدالقاهر وجمهور البلاغيين يرون أنه يفيد الاختصاص قطعا 



8-   وما أنا أسقمت جسمي به           ولا أنا أضرمت في القلب نارا



الشرح:

وهنا يقول :  وما أنا أسقمت جسمي ، معناه :  أن هذا السقم الكائن في جسمي وهذا الضنى لم أفعله أنا وإنما فعله غيري

وقوله : ولا أنا أضرمت في القلب ناراً : أي أن هذا الجوى وهذا الوجد الذي يستعر في فؤادي لم أشعله أنا
ووراء هذا التركيب معنى لطيف وهو : عجز الشاعر أمام عواطفه المشبوبة 
 والتي سببت هذا السقم وهذا الوجد ، وكأنه يقول :  لو كان الأمر بيدي لأنقذت نفسي من هذا الذي أجده ولكن لا حيلة لي بذلك 
 وهنا تقدم النفي على المسند إليه فأفاد الاختصاص .

 
 



9- وما أنا وحدي قلت ذا الشعر كله           ولكن لشعري فيك من نفسه شعر



الشرح:

وقوله هنا : وما أنا وحدي قلت ذا الشعر وحده ، ينفي أن يكون هذا الشعر الكائن قد قاله وحده وإنما قاله معه غيره،وهذا الغير هو الشعر نفسه لأنه شعر شاعر والشعراد يرددون صوره ومعانيه ويعيدونه للممدوح كما قال: بشعري أتاك المادحون مرددا ، فتقدم النفي على المسند إليه هنا أفاد الاختصاص .





*( مثل،وغير) كلمتان تلزمان التقديم في التراكيب البليغة إذا أريد بهما الكناية من غير تعريض.
 



10- غيري بأكثر هذا الناس ينخدع        إن قاتلوا جبنوا وأن حدثوا شجنوا


الشرح:


وغير هنا أريد بها الكناية لا التعريض فالأصل أن تلزم التقديم
فقصد الشاعر بقوله (غيري ينخدع) أي أنا لا أنخدع ولم يقصد التعريض بشخص آخر ينخدع .





 
11-مثلك يثني الحزن عن صوبه            ويسترد الدمع عن غربه




الشرح:


أي أنت قادر على أن تكف الحزن بصبرك وثباتك فلا تدع النفس تبلغ في أحزانها مداها وتسترد الدمع عن جريانه ، و الغرب قيل أن معناه : عرق في العين يجري فيه الدمع ولم يقصد هنا أن يعرض بإنسان آخر ليس على صفة المخاطب في الصبر والثبات وهنا لزم تقديم (مثلك) لأنه أريد بها الكناية لا التعريض.

 
 فالتقديم في هذه الأساليب كاللازم لأن التقديم يفيد التقوية ،وهذه الاستعمالات من صور الكناية والكناية يراد بها التوكيد في أداء المعنى ،ولهذا كان التقديم أنسب لتتوافق دلالات الخصوصيات.


 
*تقديم النفي على لفظ العموم وتأخيره عنه.



فهناك فرق في المعنى بين أن تقول: لم أكتب ما سمعت، وبين أن تقول: كل ما سمعته لم أكتبه، برفع كل، فالتعبير الأول يفيد أنك لم تكتب جميع ما سمعت وهذا لا يمنع أن تكون كتبت بعضه. أما الثاني فإنه يفيد أنك لم تكتب شيئا مما سمعت.




12- ما كل ما يتمنى المرء يدركه           تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن



الشرح :


معناه هنا أن الإنسان لا يدرك ما يتمناه وإنما يدرك بعضه ،وهذا التركيب قد تقع فيه كل سابقة للنفي ولكنها معمولة للفعل الواقع بعد النفي مثل أن تقول : كل الدراهم لم أنفق وكل الشعر لم أحفظ بنصب كل لأنه مفعول به للفعل بعده وهو يفيد نفس المعنى الذي يفيد قولك : لم أنفق كل الدراهم ولم أحفظ كل الشعر ،فإذا رفعت كلا وأخرجتها عن حكم الفعل بعدها أفاد أنك لم تفعل شيئاً منهما.




13- قد أصبحت أم الخيار تدّعي               عليَ ذنباً كلّه لم أصنــــع



الشرح:



وهنا تقدم النفي على لفظ العموم والغرض منه أنه أراد أن يبرئ نفسه من كل ذنب ادعته عليه، والتقديم هنا يفيد عموم النفي لأن كلمة كل الدالة على العموم دخلت على النفي وهذا يعني أنه لا يشذ منه شيء.